سيد محمد طنطاوي
285
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اللَّه ، فقطعت إحدى ضفيرتى أبى بكر يومئذ « 1 » . ثم يحكى القرآن الكريم أن ذلك الرجل المؤمن ، لم يكتف بالإنكار على قومه قصدهم موسى بالقتل بل أخذ في محاولة إقناعهم بالعدول عن هذا القصد بشتى الأساليب والحجج فقال : * ( وإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْه كَذِبُه ، وإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ . . ) * . أي : أنه قال لهم : إن كان موسى - على سبيل الفرض - كاذبا فيما يقوله ويفعله فعليه وحده يقع ضرر كذبه ، وليس عليكم منه شيء ، وإن كان صادقا فيما يقوله ويفعله ، فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم به من سوء عاقبة مخالفة ما أتاكم به من عند ربه . . فأنت ترى أن الرجل كان في نهاية الحكمة والإنصاف وحسن المنطق ، في مخاطبته لقومه ، حيث بين لهم أن الأمر لا يخرج عن فرضين ، وكلاهما لا يوجب قصد موسى - عليه السلام - بالقتل . ورحم اللَّه صاحب الكشاف . فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ملخصه : وقوله : * ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه . . . ) * هذا إنكار عظيم منه ، وتبكيت شديد لهم ، كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة ، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله * ( رَبِّيَ اللَّه ) * . . ثم أخذ في الاحتجاج عليهم على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا ، فإن يك كاذبا فعليه يعود كذبه ولا يتخطاه ضرره ، وإن يك صادقا يصبكم بعض ما يعدكم به إن تعرضتم له . فإن قلت : لم قال : * ( بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) * وهو - أي موسى - نبي صادق ، لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه ؟ قلت : لأنه احتجاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه ، إلى أن يلاوصهم - أي يحايلهم - ويداريهم ، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول ويأتيهم من جهة المناصحة ، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه ، فقال * ( وإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) * وهو كلام المصنف في مقاله ، غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه ، وذلك أنه حين فرضه صادقا ، فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ، ولكنه أردفه بقوله : * ( يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) * ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 308 .